إسهامات فكرية

الإباضية في الميدان

الإباضية في الميدان

  • 394
  • 0

الإباضية في الميدان
الأستاذ عبد العزيز المجذوب

الإباضية إحدى فرق الخوارج كما هو معروف. تنسب إلى صاحبها عبد الله بن إباض، وهي أكثر هذه الفرق اعتدالا، وأخفها أحكاما على مخالفيها، وألينها مبادئ، فلا غرابة أن نراها باقية إلى اليوم ولها أتباعها ومريدوها في المشرق والمغرب من العالم العربي الإسلامي، ونرى سواها من فرق الخوارج قد بادت، حيث إنها لم تضمن لنفسها أسباب البقاء.
وأبرز ما يتصف به الاباضيون تمسكهم الشديد بالدين، بأداء فروضه، وتجنب نواهيه إلى حد الغلو، وبغضهم المفرط لأصحاب الظلم والفساد. وبفضل هاتين الصفتين استطاعوا أن يحققوا لأنفسهم عزا دينيا ومجدا سياسيا، خلد ذكرهما التاريخ. وسنحاول الكشف عن ذلك قاصرين الحديث على الدور الذي لعبته هذه الفرقة في بلاد المغرب عموما وبإفريقية على وجه أخص.
بعد نشوء هذه الفرقة وتركز قواعدها على يد صاحبها الأول في مطلع القرن الثاني ظهر منها أئمة أفذاذ برزوا في العلم والدين حتى بلغوا درجة الاجتهاد، فسنوا لحزبهم مبادئ وقواعد خاصة، وشرعوا له فقها وأصولا في العبادات والمعتقدات تحولت به من حزب سياسي ومن مجرد فرقة دينية إلى مذهب سني. وذلك لأن أتباعه حافظوا على صفاء الرسالة المحمدية في أصول مذهبهم، ولم ينحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصحابته البررة في سلوكهم وأمور معاشهم، ولا اقترف ولاتهم إثما، ولا مارسوا في قيادتهم ظلما، ولا أي لون من ألوان العسف التي لم يبرأ منها إلا القليل من الولاة سواهم.
بل إن الظلم في حقهم كان مستحيلا، لا لكونهم معصومين بل لأن رجل الدين عندهم ورجل السياسة واحد، والقائم بأمر الناس فيهم هو الإمام نفسه. وتلك هي قاعدة الإسلام في الحكم، التي سار عليها الخلفاء الراشدون، وعليها حافظوا، ودونها نافحوا.
فمن الطبيعي أن ينتشر مذهب هذا شأنه، وأن يقبل على أتباعه أناس ببلاد المغرب ليجدوا في أكنافه الأمن والكرامة، وهم من سئموا حياة الاضطراب والظلم على أيدي الكثير من عمال بني أمية وبني العباس.
كان ظهورهم بإفريقية أوائل القرن الثاني في عهد هشام بن عبد الملك( ) الذي جدد عهد أبيه وأسلافه الأولين بالتزامه سياسة الشدة في مطاردة الخوارج والشيعة وملاحقتهم بالتقتيل والإبادة.
ولعل أول داعية إباضي قدم هذه البلاد فارا من قبضة ملاحقيه هو سلمة بن سعد، الذي عرف كيف يتنقل بالبلاد، وأي الشعاب يسلك حتى يأمن ظلم الظالمين، ويضمن لعمله التوفيق ولرسالته الانتشار، فاختار الطرق الجبلية البعيدة عن الصحراء القاحلة وأهوالها، وعن المناطق الساحلية الخاضعة لسلطة الولاة. وبجبال نفوسة ودمر ونفزاوة وما والاها من المرتفعات والجبال، وكلها مناطق آهلة بالسكان، كثيرة العمران( )... أمكن له أن يستقر ويقوم في صفوف البربر بالدعوة، موضحا للأذهان الصورة الصحيحة للاسلام في الاعتقاد وأتباعهم في ذلك الوقت، فالتف من حوله الناس مستجيبين لدعوته، وراح ينتقل من مكان إلى آخر. وما ارتحل من موضع إلا خلف فيه أتباعا... تكاثروا مع مرور الأيام والأعوام حتى صار لهم شأن، وأضحوا يمثلون قوة يقرأ لها ألف حساب.
ومن إفريقيا شابان إباضيان – بعد ما تلقيا المبادئ الأولى للدين و المذهب على يد سلمة بن سعد – انطلقا إلى العراق ضمن بعثة تضم عددا من الإباضيين سواهما، فقضيا سنين في طلب العلم على يد إمام المذهب في ذلك الوقت أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. فالطالب الأول من القيروان، وهو عبد الرحمن بن رستم، أما الثاني فهو أبو داود من الجنوب. ولما أتما الطلب، واكتمل عندهما العلم، واطمأن لنبهاتهما إمامهما أوصاهما خيرا، ثم سرّحهما عائدين إلى موطنهما. فكان لأبي داود شأن في عالم الإصلاح، إذ تفرغ للجهاد الديني والعلمي، فأنشأ بجهة نفزاوة وسواها من جهات الجنوب جيلا إسلاميا فاضلا في خلقه ودينه، كان البذرة الصالحة لما تبعته من أجيال تمسكت بالسنة والفضيلة، وقاومت البدع والرذيلة.
أما عبد الرحمن بن رستم فقد نبغ في العلم والاجتهاد درجة بهرت أبا عبيدة أستاذه حتى أجاز له حق الفتوى بما سمع منه وما لم يسمع. وبذلك كان قد اختاره لإمامة المذهب وريثا وحافظا.
لكن شاءت الأقدار والأحداث السياسية أن يجمع عبد الرحمن ابن رستم إلى جانب ذلك مهمة الاضطلاع بأحكام الحكم والسياسة، ذلك أن ظلم الولاة قد اشتد بإفريقية بعد ابن أبي المهاجر المُولّى من قبل الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأكثرَ رجالُهم من السلب والنهب، واستباحوا الحرمات، حتى ثارت القبائل البربرية في وجوههم ثورات عديدة، اشتد ساعدها بنزوح الخوارج من الصفرية إليهم، فانقلبت إلى حروب حقيقية طاحنة، خاضها العمال أنفسهم، وقادوا جيوشها ضد الخوارج بأقصى المغرب وأوسطه دون جدوى، إذ كانت الهزائم تلاحقهم حيثما هجموا وأينما حلوا.
وقد كان المسؤول الأول عن هذه الفتن، وموقد نيرانها العامل عبيد الله بن الحبحاب المولّى من قبل هشام بن عبد الملك. يقول ابن عذاري: "وكان السبب في ثورة البربر وقيام ميسرة (المدغري) أنها أنكرت على عامل ابن الحبحاب سوء سيرته كما ذكرنا، وكان الخلفاء بالمشرق يستحبون طرائف المغرب، ويبعثون فيها إلى عامل إفريقية، فيبعثون لهم البربريات السنيات، فلما أفضى الأمر إلى ابن الحبحاب منّاهُم بالكثير، وتكلف لهم أو كلفوه أكثر مما كان فاضطر إلى التعسف و سوء السيرة..."( ) وإذا أضفنا إلى هذا ما قام به عامله بطنجة من تخمسه للبربر، زاعما أنهم فيء للمسلمين( ) عرفنا السبب الذي من أجله ثار البربر يقدمهم الصفري ميسرة المدغري.( )
وتتابعت الحروب بين البربر وولاة القيروان عنيفة شديدة، أزهقت فيها أرواح مئات الآلاف من المسلمين، وانتهكت فيها الحرمات، واستبيحت النساء من الطرفين المتقابلين حتى كأن القوم ما عرفوا الإسلام، ولا طرقت أسماعهم مبادئ الإخاء والتناصح، والأمر بالتناصر والتسامح في كتاب الله وسنة نبيه الهادية.
وتأتي السنة 132 \ 749 فتنهار الدولة الأموية لتقوم على أنقاضها دولة بني العباس، ولئن تغيرت أوضاع الحكم والسياسة بالقيروان، فأصبح الولاة يفدون إلى إفريقية من العراق بعد أن كانوا يعينون من قبل السلطة بالشام فإن الأغراض السياسية بقيت على ما هي عليه والنوايا نحو مسلمي المغرب باتت على حالها لم يتغير منها شيء. ونتيجة لذلك تواصلت المقاومة البربرية وتتابعت الثورات أشد ضراوة. وما كان لها أن تتوقف، وقد أضحت حروبا لا ضد الظلم المسلط وكفى بل حروبا عنصرية يرمي الجنس البربري من ورائها إلى القضاء على الجنس العربي، وعلى حكم القريشيين خصوصا.
وننتقل بالأحداث سريعا إلى سنة 138/755 لنربطها بالأحداث التي تعنينا والتي لها علاقة بأصل موضوعنا. زحفت في هذه السنة بعض القبائل الصفرية على إفريقية، فتغلبوا عليها، واستولوا على مدينة القيروان، "وربطوا دوابهم في المسجد الجامع، وقتلوا كل من كان من قريش وعذبوا أهلها وسامت ورفجومة لأهل القيروان سوء العذاب..."( )
والغريب في الأمر أن أهل القيروان أنفسهم الذين بعثوا إلى الورفجومية يستعدونهم على الوالي حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب الفهري الذي طغى، وأطلق يد أعوانه وجنده يسلبون وينهبون ويسومون الناس سوء العذاب. ولما حصل لهم على يد الورفجومية ما جعلهم يندمون استنجدوا بأبي جعفر المنصور حسب بعض الروايات، وبأبي الخطاب المعافري إمام الإباضية بطرابلس استنادا إلى رواية أخرى.
والظاهر أن أهل القيروان، وقد ضاع عنهم رشدهم وانخرمت صفوفهم بفقدهم لقيادة شعبية يقوم بها شخص منهم فيوجههم إلى أقوم السبل، ويجنبهم الارتجال والتصرفات الطائشة التي تعود عليهم بالوبال، الظاهر أنهم قد وجدوا في شخص عبد الرحمن بن رستم قائدا رشيدا وزعيما بصيرا في هذا الظرف الخطير من حياتهم. كان عبد الرحمن متباعدا عن السياسة منكبا على التعليم والتبصير بالدين، فحركته هذه الأحداث، وهزته النكبة التي حلت بالقيروان هزا عنيفا فنهض لمحق الظلم وتطهير الأرض من إثم الحاكمين وعبث المفسدين... فبادر يستنجد بزميل له في حلقات الدروس بالبصرة سابقا، قاوم ظلم الولاة من بني العباس بطرابلس، فدانت له البلاد، واختارته إماما عليها لعدله واستقامته، هذا هو أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، فهب لأداء الواجب الذي يفرضه عليه التعاطف الأخوي ويحتِّمه مبدأ من أهم المبادئ لمذهبه، ألا وهو مقاومة أولي الأمر بالسيف، واستباحة دمائهم إذا تعدُّوا حدود الله، ومالوا في أحكامهم إلى الهوى، وقدِم أبو الخطاب في جيش عظيم تطوع لإقامة العدل ومحق الفساد والظلم الذي اقترفه عاصم الورفجومي( ) وأتباعه... فكان له النصر.
ثم بعد أن أمَّنَ الناس حافظًا أرزاقهم وأعراضهم، ولَّى على القيروان عبد الرحمن بن رستم ورجع إلى طرابلس، ودامت ولاية ابن رستم سنتين اثنتين( ) ذاق المسلمون فيهما بالقيروان وبإفريقية كلها طعم الأمن، وعرفوا معنى العدل، وأدركوا لأول مرة تقريبا طعم العيش الكريم في ظل الحكم الإسلامي النظيف. لكن لم تمض مدة طويلة بطرابلس، ثم تغلبت على ابن رستم وأخرجته من القيروان، واستعادت إفريقية لسلطة بني العباس كما كانت. وارتحل ابن رستم إلى المغرب الأوسط حيث هيأ الأسباب وأعد العدة لإقامة دولة. وما عتم أن أنشأ دولة إباضية بتاهرت( ) أخذت على عاتقها تركيز الدين في نفوس الناس على قواعد راسخة، وتطهيره مما علق به عن طريق أصحاب البدع من الصفرية وأرباب الحكم من الولاة والعمال الانتهازيين.
وشاءت الأحداث أن تنقرض الإمامة الإباضية من طرابلس( ) فأصبحت تاهرت مركز الإمامة. و" كانت أغلبية بلاد إفريقية في الجنوب والوسط تابعة لهذه الإمامة، وكان عمال الدولة الرستمية يقيمون أحكام الله في تلك البلاد نيابة عن الدولة الرستمية... وقد استمرت هذه الجهات تحت حكم الدولة الرستمية إلى أن تغلبت عليها الدولة الشيعية فخربت تاهرت، وانقرضت من هنالك سلطتها ".
من هذا نفهم أن كثيرا من أهل إفريقية من سكان المناطق المذكورة كانوا يدينون بالولاء إلى السلطة الإباضية بتاهرت، إما ولاء سياسيا، أو ولاء مذهبيا، منذ الزحف الورفجومي على القيروان إلى أن قامت الدولة الفاطمية... ثم استمر ولاؤهم بصفته المذهبية الدينية، إذ أن سكان الجنوب من إفريقية وإن لم تقم لهم دولة، فقد كانوا تحت نفوذ مشايخ العلم والعزابة من الإباضية، لذلك كانوا كأنهم يمثلون دولة لها سيادتها ولها تنظيمها الإداري والديني، واستقلالها الذاتي طوال الدولة الأغلبية وما قبلها بقليل وما بعدها. ويكفي دليلا على ذلك ما أشار إليه بعضهم( ) من أنه كان للمذهب الإباضي مفتيان اثنان في القيروان في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي (منتصف القرن الثالث الهجري).
وقد قاومهم بنو الأغلب وحاربوهم محاربة لا هوادة فيها، وإن كان لا يعنينا ذكر ما دار بين الدولة الأغلبية والدولة الرستمية بتاهرت بينهما إنما هو دافع مذهبي يرى فيه الإباضية أنهم حماة الدين والسنة، ويراهم أمراء بني الأغلب خوارج متنطعين أصحاب بدع، والواقع أن الإباضية قد تمكنت من فرض وجودها التاريخي، فحققت عزا دينيا ذا بال بقيت آثاره إلى اليوم في أتباعه الذين يعيشون بيننا، التزموا خدمة الدين ومقاومة البدع والرذيلة، حازمين في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، كما حققت مجدا سياسيا كان له شأنه في تاريخ الإسلام بالمغرب العربي.
وننبه إلى أمر له أهميته بالنسبة لمن يريد أن يقف على دور الإباضية بإفريقية وموقف الناس منها، ذلك أن كتب التاريخ في سردها للأحداث التي جدت بين ولاة الأمر بإفريقية وبين أتباع المذهب الإباضي تعتبر هؤلا ء ثائرين خارجين عن الطاعة بل عن الدين، وينعتون بما ينعت به كل متمرد. وكان أصحاب تلك الكتب – وهم سنيون مالكيون غالبا – يعدون الإباضية فرقة كسواها من فرق الخوارج المغالية في المعتقد، ولا يعنيهم أن يفرقوا بينها وبين غيرها استنادا إلى ما بدا منها ومن أتباعها من تصرف باعد بينها وبين الفرق المبتدعة.
أما الكتب التي ألفت في تراجم علماء إفريقية وإن لم ترد فيها إشارة ولو طفيفة إلى تسنن المذهب الإباضي، فإنها لم تتعرض كذلك إلى شتم أتباعه أو الغض من شأنهم... إلا ما جاء فيه عن موقف الإمام سحنون من كافة أصحاب الفرق. وعلى عكس ذلك الصفرية. فإننا نجد في تراجم بعض العلماء بهذه الكتب أن فلانا اتهم بالصفرية، فأعرض طلاب العلم عن السماع منه والأخذ عنه... أليس في هذا ما يدفع إلى القول بأن العلماء بإفريقية كانوا يعتبرون علماء الإباضية سنيين مثلهم، وأن جوا من الوئام والتعاون كان ربما يسود علاقات بعضهم ببعض. أظن ذلك أمرا ثابتا خصوصا أن الإباضية كانوا يؤمون نفس المساجد التي يؤمها أهل السنة، ويملون تعاليمهم بكامل الحرية إلى جانب المالكية في كثير من الجهات بإفريقية.

أضف تعليقا

عدد التعليقات (0)