إسهامات فكرية

مسند الإمام الربيع بن حبيب

مسند الإمام الربيع بن حبيب

  • 1815
  • 0

مسند الإمام الربيع بن حبيب 
الشيخ عز الدين التنوخي

الحمد لله وله الفضل والمنة، على أن هدانا للعمل بالكتاب والسنة، والصلاة والسلام على المبعوث من أنفس العرب رحمة للعالمين ورؤوفا رحيما بالمؤمنين، وعلى آله وصحبه المجاهدين الغر الميامين.
وبعد، فمما جاء في فتح الباري( ) أن آثار النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر الصحابة وكبار من تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة لأمرين:
أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهوا عن ذلك، كما ثبت في صحيح مسلم خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.
وثانيها: لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار، لما أنتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الروافض ومنكري الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح (160هـ) وسعيد بن أبي عروبة (156هـ) وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، فصنف الإمام مالك (93-179هـ) الموطأ، وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم، وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج (70-150هـ) بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (88-157هـ) بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري (97-161هـ)، وأبو سَلمة بن دينار (167هـ) بالبصرة، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، إلى أن رأى بعض الأئمة أن ينفرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندا، وصنف مسدد بن مسرهند (228هـ) مسندا، وأسد بن موسى الأموي مسندا (122-212هـ)، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي مسندا (228هـ).
صفاته: كان الإمام السَّالمي _رحمه الله_ ضريرا قوي الذاكرة والذكاء، وكان شديد اليقظة على تطورات قومه بعُمان، فقد عمل كثيرا على إعادة الإمامة إلى القطر العماني الذي قلما عرف الملكية قديما إلا في ظروف شاذة كما وقع على عهد بني نبهان في عصر ابن بطوطة، ولم يكن يكتم ميوله وآراءه في الإمامة عن السلطان فيصل بن تركي سلطان عمان، ولكنه لم يجد منه انقيادا إلى إعلان الإمامة بدسائس الانكليز الذين يتحينون الفرص للانقضاض على أقطار الخليج العربي، ومطامعهم في جزيرة العرب ونفطها ومعادنها لا تحتاج إلى تعريف.
وما زال هذا العالم العامل يعمل على بث الدعاية للإمامة لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يخشى في إعلان الإمامة سطوة غاشم حتى بدت للعلماء المساعي البريطانية لحمل سلطان مسقط على الاعتراف بالحماية البريطانية فأسلس العلماء القياد للنور السَّالمي شارح هذا المسند وأعلنوا الإمامة بمبايعة الإمام التقي العلامة سالم بن راشد الخروصي، وبذلك نهض المترجم ببلاده وأقصى عنها أخطار الاستعمار، وما في عُمان اليوم من علماء إلا وهم تلاميذه، ولا فيها من روح قومية مقاومة للمستعمرين إلا منه، فهو مضرم نارها وملهب أوارها، وإن الإنسان ليعجب كيف استطاع أن يؤلف تلك المكتبة في عمره القصير وهو لم يبلغ الخمسين، فهو في قصر عمره وكثرة كتبه نظير شيخنا الجمال القاسمي بدمشق رحمهما الله، ومن تلك الكتب:
1) تحفة الأعيان في تاريخ عمان _جزءان طبع أحدهما بمصر.
2) الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة _طبع بهامش شرح طلعة الشمس في أصول الفقه.
3) شرح المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي_ من أئمة القرن الثاني، في أربعة أجزاء طبع الأول والثاني منها بمطبعة (الأزهار) البارونية، والثالث بالمطبعة العمومية بدمشق في هذه السنة.
4) سواطع البرهان– رسالة في تطورات العصر في اللباس، جواب لسؤال بعض أهل زنجبار.
5) مدارج الكمال– أرجوزة في الفروع الفقهية تنيف على ألفي بيت، وهو نظم مختصر الخصال للإمام أبي إسحاق الحضرمي، مطبوعة.
6) معارج الآمال- شرح لهذه الأرجوزة، وهي تنبئ عن غزارة علمه ورسوخه في علم الشريعة قيل أنه يبلغ ستة عشر جزءاً، (وهو مطبوع بسلطنة عُمان).
7) غاية المراد -أحد متون أصول الكلام
8) مشارق أنوار العقول– شرح أرجوزة في أصول الدين شرحها شرحا وافيا وهي من أحسن كتب الأصول تحقيقا وتحريرا وتنسيقا طبع بمصر.
9) أنوار العقول– أرجوزة في أصول الدين تزيد على 300بيت.
10) بهجة الأنوار– شرح (أنوار العقول) طبع بهامش طلعة الشمس.
11) طلعة الشمس– ألفه في أصول الفقه، من أجَلّ متون هذا الفن وأكثرها نفعا.
12) شرح طلعة الشمس في أصول الفقه جدير بأن يعد من أنفس كتب الأصول.
13) جوهر النظام – أرجوزة في الأديان والأحكام الشرعية والحكم وهي بضعة عشر آلاف بيت، مطبوعة.
14) بلوغ الأمل – أرجوزة في أحكام الجمل الثلاث في الإعراب نفيسة جدا.
15) الفتاوى العمانية – في سبعة أجزاء منها كتاب حل المشكلات، (ينظر جوابات الإمام السَّالمي، 7 مجلدات، طبع سلطنة عُمان، 1417هـ).
16) رسالة تلقين الصبيان لمدارس عُمان – وقد طبعت بدمشق بالمطبعة العمومية هذه السنة بإشرافنا، وهي رسالة مفيدة للصبيان وللرجال معا.
17) المنهل الصافي في العروض والقوافي – أرجوزة تزيد على 300بيت.
هذا حكم (المتصل) من أخبار هذا المسند، و(المنقطع) بإرسال أو بلاغ في حكم الصحيح لثبوت وصله من طرق أخرى، وأما (المرسل) فقد جاء في التدريب (67) عن ابن جرير قال:
" أجمع التابعون بأسرهم على قبول (المرسل) ولم يأت عنهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، فقال ابن عبد البر: كأنه يعني أن الشافعي أول من رده، وقال السخاوي في فتح المغيث قال أبو داود في رسالته: أما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم في ذلك وتابعه أحمد و غيره".
وقل من المشتغلين بالحديث في ديارنا الشامية وفي مصر والعراق وغيرها من له معرفة برجال هذا المسند الثلاثة، ولذا يحسن بنا أن نعرفهم ولو بإيجاز، فأول رجال السند هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي توفي في ولاية أبي جعفر المنصور (95-158هـ)، وقد أدرك من أدركه جابر بن زيد، فروايته عن جابر رواية تابعي عن تابعي، وقد روى جابر أيضا عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وروايته هذه عنهم موجود بعضها في هذا المسند الصحيح، وهي رواية تابعي عن صحابي.
شيوخه: أخذ أبو عبيدة العلم عمن لقيه من الصحابة وعن الجابرين: جابر بن عبد الله وجابر بن زيد، وعن صحار العبدي وجعفر بن السماك وغيرهم.
تلاميذه: وحمل العلم عن أبي عبيدة خلق كثير منهم: الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب هذا المسند، ومنهم (حملة العلم إلى المغرب) وهم أبو الخطاب المعافري وعبد الرحمن بن رستم وعاصم السدراتي وإسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داود القبلي النفزاوي، وكان الإمام أبو الخطاب المعافري قد جاء من اليمن فرافق الأربعة من أهل المغرب فخرج معهم إلى بلادهم فنصبوه عليهم بأمر شيخهم أبي عبيدة، وبأمره نصب الإمام عبد الله بن يحيى الكندي في أرض اليمن، وجمعت إمارته اليمن والحجاز، وأقام حملة العلم عنده خمس سنين فلما أرادوا الوداع سأله إسماعيل بن درار عن ثلاث مائة مسألة من مسائل الأحكام فقال له أبو عبيدة: "أتريد أن تكون قاضيا يا ابن درار ؟" قال: "أرأيت إن ابتليت بذلك؟".
وإليك ما يقوله الشارح المعتدل المنصف في مقدمة كتابه تحفة الأعيان( ): "وندعو إلى كتاب الله ومعرفة الحق وموالاة أهله فمن عرف منهم الحق وأقر به توليناه وحرمنا دمه، ومن أنكر حق الله منهم واستحب العمى على الهدى وفارق المسلمين وعاندهم فارقناه فقاتلناه حتى يفيئ إلى أمر الله أو يهلك على ضلالته من غير أن ننزلهم منازل عبدة الأوثان، فلا نستحل سباياهم ولا قتل ذراريهم ولا غنيمة أموالهم ولا قطع الميراث منهم (كغُلاة الخوارج)، ولا نرى الفتك بقومنا ولا قتلهم في السر، وإن كانوا ضلالاً، لأن الله لم يأمر به في كتابه، ولم يفعله أحد من المسلمين ممن كان بمكة بأحد من المشركين، فكيف نفعله نحن بأهل القبلة، ونرى أن مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ماداموا يستقبلون قبلتنا، ولا نرى أن نقذف أحدا ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنه فعله خلافا (للخوارج) الذين يستحلون قذف من يعلمون أنه بريء من الزنا من قومهم، وهم بذلك مضلون".
فالإباضية اليوم بعمان والمغرب من بقايا الخوارج المعتدلين والمتمسكين بالكتاب والسنة، وقال النور السالمي أيضا: "ليس من رأينا بحمد الله الغلو في ديننا ولا الغشم في أمرنا ولا التعدي على من فارقنا.. الله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا والسنة طريقتنا وبيت الله الحرام قبلتنا والإسلام ديننا" ولذلك يحرم على المسلم اتهام أخيه المسلم في دينه بعد مثل هذا الاعتراف، فيكون من المتألِّين الذين يسارعون في تكفير المسلمين وهم الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "ويل للمتألِّين من أمتي" أي الذين يحكمون على الله بقولهم فلان في الجنة وفلان في النار.
وإذا اطلع المنصف على هذا الشرح وجد الشارح واسع الاطلاع وألفى شرحه واضحا مبينا وتعابيره صحيحة فصيحة، أسلوبها المساواة فلا هي مسهبة مملة ولا مفرطة الإيجاز مخلة، وأما أبحاثه فيها فإنها تدل على اعتدال في التحقيق وبعد عن التعصب، فكثيرا ما ينقل عن العلماء المخالفين: كالحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، ويستشهد بأحاديث الشيخين وأئمة الحديث كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والطبراني والبيهقي وغيرهم من أهل السنة والجماعة، مما يدل على أن الإباضية في المشرق والمغرب مذهب قريب من مذاهب السنة، والناظر في شرح النور السَّالمي عالم عمان يمتلئ طمأنينة بما ذكرته، وقلما رأينا من رجال المذاهب غير السنية من يستشهد برجال الحديث والفقه من أهل السنة إلا استشهاد نقد ورد، وما آثرت تخريج أحاديث المسند والشرح، ولاسيما ما رواه الشيخان إلا لتطمئن قلوب إخواني أبناء السنة بأن مسند الربيع الذي بني عليه المذهب الإباضي هو صحيح الأحاديث، وأكثرها مما جاء في الصحيحين، وجابر بن زيد ممن روى عنهم البخاري وغيره لكيلا يقع فيما وقع فيه خصوم الإباضية أو من لم يعرف حقيقة مذهبهم وعقيدتهم فيظنهم من الخوارج الغلاة كالأزارقة والنجدية والصفرية المانعين لموارثة ومناكحة مخالفيهم.
ومن أعلم أهل السنة بالإباضية وأعظم من كتب عن الخوارج الإمام المبرد في كتابه الكامل فقد قال ما نصه "قول ابن إباض اقرب الأقاويل إلى السنة "، وقال ابن حزم" أسوأ الخوارج حالا الغلاة وأقربهم إلى قول أهل الحق الإباضية "، وابن اباض هو عبد الله بن إباض المُرِّي التميمي الذي عاصر معاوية وقد عده الشماخي في السير في التابعين، وكان من اتباع الإمام جابر بن زيد مؤسس المذهب الإباضي ولو نسب المذهب إلى جابر بن زيد تلميذ ابن عباس لكان في رأيي أصح علما وأصدق نسبا.
الثلاثيات: وقد ذكر أئمة الحديث أن رتب الصحيح تتفاوت في الأوصاف المقتضية للتصحيح، وأن من المرتبة العليا ما أطلق عليه بعض رجال الحديث أنه أصح الأسانيد الثلاثية كسند الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وسند إبراهيم النَّخَعي عن علقمة عن ابن مسعود، وسند مالك بن نافع عن ابن عمر، وهو قول البخاري، لأن هذه الأسانيد قصيرة السند وقريبة الاتصال بالينبوع المحمدي، واشتهر رجالها بقوة الحفظ والضبط وكمال الصدق والصيانة والأمانة، إلاَّ أن أجلَّ الرواة عن الإمام مالك بن أنس هو الشافعي، فأجلُّ الرواة على ذلك ما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك ويسمى هذا المسند: "سلسلة المذهب".
ويشبه هذه السلاسل الذهبية سلسلة مسند الربيع بن حبيب وثلاثيته أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس، ورجال هذه السلسلة الربيعية من أوثق الرجال وأحفظهم وأصدقهم لم يشب أحاديثها شائبة إنكار ولا إرسال ولا انقطاع وإعضال، لأن الثلاثيات بأجمعها موصولة باتصال أسنادها ولم يسقط من أسانيدها الثلاثية أحد، و(المعضل) هو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي كقول مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الشافعي: قال ابن عمر، وقد يورد على قولنا هذا أن في مسند الربيع البلاغ والسماع مما يجعل الحديث مرسلا، ويجاب على هذا القول أن رجال هذا المسند إذا نقلوا عن غير مشافهة بينوا ذلك بقولهم: بلغني أو بلغنا، أو وسمعت عن فلان أو نحو ذلك مما يبعد بالمسند عن التدليس، فهم رحمهم الله أجل وأتقى من أن يوهموا الناس السماع وليسوا بسامعين، وبذلك يظهر أن عظمة هذا المسند مقطوع باتصالها، لأن أبا عبيدة أخذ عن جابر وجابر أخذ عن الصحابة مباشرة، حتى قيل: إن أبا عبيدة أدرك من أدركه جابر من الصحابة.
وأما جابر بن زيد الجوفي( ) الأزدي أبو الشعثاء (93هـ) أصل المذهب الإباضي في عمان والمغرب( ) وصاحب عبد الله بن عباس فقد كان أشهر من صحبه وقرأ عليه، وذكر أبو طالب المكِّي في كتابه (قوت القلوب) أن ابن عباس قال: "اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه"، وقال إياس بن معاوية: "رأيت البصرة وما فيها مفتٍ غير جابر بن زيد"، وقال الحصين: "لما مات جابر بن زيد وبلغ موته أنس بن مالك قال: مات أعلم من على ظهر الأرض"، و لما مات جابر بن زيد ودفن قال قتادة: "أدنوني من قبره" فأدنوه فقال: "اليوم مات عالم العرب".
وعن ابن عباس قال: "عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر ابن زيد ولو قصدوا نحوه لوسعهم علمه".
شيوخة وتلاميذه ممن حمل عنهم العلم وحملوه عنه:
أولهم وأخصّهم به عبد الله بن عباس فقد أكثر من الحمل عنه، ومعاوية وعبد الله بن عمر، وممن أخذ عنه قتادة وعمرو بن دينار وأيوب وخلق..
وإذا تأمل الإنسان روايات هذا المسند وجده يروي عن كثير من الصحابة، وإذا كان عدد من لقيهم من أهل بدر بلغ سبعين رجلا فما ظنك بمن لقيهم جابر بن زيد من سائر الصحابة، وأشهر أصحابه الراوين عنه أبو عبيدة، ومنهم ضمام بن السائب وأبو نوح وحيان الأعرج وكلهم من الفقهاء المجتهدين، وناهيك قوله: "أدركت سبعين رجلا من أهل بدر فحويت ما بين أظهرهم إلا البحر ابن عباس".
شرح المسند: أما شراح هذا المسند فمن الحق أن نلم من ترجمته بما يصور حقيقته ويبين منزلته بين العلماء المحققين فهو الشيخ نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي الضبي (1286-1332) انتهت إليه رئاسة العلم بعمان، وظهر ذلك في تآليفه الجمة في مختلف الفنون الشرعية والعربية مع التحقيق في مسائلها والإجادة في تأليف كتبها ورسائلها.
ومن مزايا هذه الثلاثيات أو السلاسل الذهبية سهولة حفظها، وحافظ المسند الثلاثي الرجال إذا روى حديثا من أحاديثه صدَّره بسنده الثلاثي الذي لا يختلف في جميع أبوابه، وحفظ الأحاديث الثلاثية أيسر على المستظهر من حفظ سلاسل طويلة كثيرة الحلقات والرجال، ولأنه يسهل على حافظ الثلاثيات معرفة رجالها لقلتهم والتثبت من أوصافهم بالحفظ والصدق والأمانة أكثر مما يعرفه عن رجال سلسلة عديدة الحلقات قد يوجد بينهم من لا يطمئن القلب بصدقه وديانته مما يضعف الحديث ويجعله غير مقبول.
ولمزايا هذه الثلاثيات أهتم كثير من أئمة الحديث بتأليف الثلاثيات نذكر منها:
ثلاثيات الإمام أحمد بن حنبل المطبوعة أخيرا بدمشق (1380) وشرحها في جزأين الإمام محمد السفاريني، وعدد ثلاثياته خمسة وستون ومائة حديث.
وثلاثيات البخاري وهي في صحيحه اثنان وعشرون حديثا غالبها عن مكي ابن إبراهيم ممن حدث عن التابعين، وهم في الطبقة الأولى من شيوخه مثل محمد ابن عبد الله الأنصاري وأبي عاصم النبيل وأبي نعيم وخلاد بن يحيى وعلي بن عباس.
وثلاثيات الدارمي وهي خمسة عشر حديثا وقعت في مسنده بسنده.
وثلاثيات الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمود الناجي وغيرهم ونضيف اليوم إليها:
ثلاثيات الربيع بن حبيب الأزدي، و أحاديثها في مسنده من أصحها رواية وأعلاها سندا، ورجال سلسلته الثلاثية الحلقات هم: أبو عبيدة التميمي وجابر بن زيد الأزدي والبحر عبد الله بن عباس شيخ جابر وغيره من الصحابة، وهم بأجمعهم مشهورون بالحفظ والضبط والأمانة والصيانة، وهذا السند لا يختلف في جميع أبواب المسند كما يختلف في سائر كتب الثلاثيات.
ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم فقل إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل (164-241) وإسحاق بن رَاهَوَيْه (161-238) وعثمان بن شيبة وغيرهم من النبلاء، ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها وجدها جامعة للصحيح والحسن، أو لكثير منهما يشمله التضعيف فحرك همته لذلك ما سمعه من أستاذه إسحاق بن راهويه حيث قال لمن عنده، وقال فيهم: "لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال البخاري: "فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح".
وقال السيوطي: وأما ابتداء تدوين الحديث فانه وقع على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز.
ثم ذكر الحافظ ابن حجر في فتحه: أن أول من دون الحديث ابن شهاب (الزهري) بأمر عمر بن عبد العزيز كما رواه أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن عن مالك، ومر بنا الآن أن أول من جمع الآثار وبوب الأخبار هو الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة، ولم يذكر الربيع بن حبيب الفراهيدي الأزدي ولا مبران العدوي البصري، والربيع بن حبيب صاحب هذا المسند من ثقات التابعين، فقد أخذ كثيرا عن أبي عبيدة التميمي كما أدرك أبا الشعثاء جابر بن زيد والربيع شاب، وجابر بن زيد من أشهر تلاميذ الحبر البحر عبد الله بن عباس، ومع أننا لم نعثر على تاريخ حياته فإننا نقدر أنه بدأ بجمع مسنده في صدر المائة الثانية، وأنه أطلع شيخه أبا عبيدة على مسنده هذا المبارك.
ومن يمن الطالع على الحديث أن يكون الربيعان، الربيع بن صبيح والربيع بن حبيب في طليعة ركب الجامعين للحديث والمصنفين فيه ومن الأسف أنا لا ندري شيئا عن مصير مسند ابن صبيح، وعسى أن يهتم بذلك الباحثون عن نفائس المخطوطات، ومن لطف الباري أن أبقى لنا مسند الربيع بن حبيب، ثم من نعمته علي أن وفقني لإعادة نشره مع شرح علامة عمان عبد الله بن حميد السالمي، ولما يطلع على المسند وشرحه من علماء مصر والشام والعراق إلا قليل.
ويفهم من شرح هذا المسند أن الشارح من المتمسكين بالحديث الصحيح وأرباب العقل الراجح والمعظمين للرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله والمهتدين بسنته وأفعاله، فهو في شرحه لهذا المسند يمحص أقوال العلماء ويختار على أقوال أهل المذهب ما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس هو ممن يرى (العمل على الفقه لا على الحديث) قال شارح "الصراط المستقيم": إذا وجد تابع المجتهد حديثا صحيحا مخالفا لمذهبه هل له أن يعمل به ويترك مذهبه؟ فيه اختلاف، فعند المتقدمين له ذلك، قالوا: لأن المتبوع والمقتدى به هو النبي صلى الله عليه وسلم ومن سواه فهو تابع له، فبعد أن عُلمَ وصح قوله صلى الله عليه وسلم فالمتابعة لغيره غير معقولة" قلت: ولذلك لا يجوز التعصب للمذاهب تعصبا يُستهتر به بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم فان ذلك من الفسق والبعد من الدين والخروج على سيرة الصحابة والتابعين، ومن هؤلاء المتعصبين الجامدين _كما يقول بعض الأئمة_ من إذا مر عليهم حديث يوافق من قلدوه انبسطوا، وإذا مر عليهم حديث يخالف قوله أو يوافق مذهب غيره ربما انقبضوا ولم يسمعوا قول الله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبـِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّىا يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
هذا وما كان أهل عمان أقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة إلا لأن مذهبهم كما اطلعت عليه مبني على السنة وتقديم العمل على الحديث لا على فقه المذاهب، عملا بما جرى عليه إمامهم جابر بن زيد الذي عمل بنصيحة شيخه عبد الله بن عمر الذي روى عنه، فقد جاء في "الحجة البالغة" أن ابن عمر رضي الله عنه قال لجابر بن زيد: "إنك من فقهاء البصرة فلا تُفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت"، ولذلك نعتقد ونقول: إن المعقول ومن القلب المقبول أن لا نهتدي إلا بقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾.

عز الدين التنوخي.

أضف تعليقا

عدد التعليقات (0)